اكتشاف أثري استثنائي في دنقلا العجوز.. «كنيسة يسوع الكبرى» تكشف أسراراً مذهلة عن عاصمة المقرة النوبية

اكتشاف أثري استثنائي في دنقلا العجوز.. «كنيسة يسوع الكبرى» تكشف أسراراً مذهلة عن عاصمة المقرة النوبية
كردفان ميديا | أخبار وآثار
57 متراً طولاً و21 متراً ارتفاعاً.. صرح معماري ينافس أبرز المباني التاريخية العالمية
في حدث أثري وتاريخي بارز، أعلنت البعثة السودانية البولندية المشتركة العاملة في موقع دنقلا العجوز، عاصمة مملكة المقرة النوبية، في السادس من نوفمبر 2026، عن تفاصيل جديدة بشأن الاكتشافات الأثرية داخل المبنى المعروف باسم «كنيسة يسوع الكبرى»، في كشف يعيد تسليط الضوء على عظمة الحضارة النوبية وإرثها المعماري والديني.
وجاء الإعلان عبر المركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط بجامعة وارسو، مؤكداً أن أعمال التنقيب أزاحت الستار عن أجزاء واسعة من هذا الصرح الذي تصفه المصادر التاريخية بأنه من أكبر وأثرى الكنائس في إفريقيا وبلاد النوبة خلال العصور الوسطى.
**هندسة معمارية استثنائية.. أبعاد تتجاوز مقاييس عصرها**
وأظهرت نتائج التنقيب أن الكنيسة تتمتع بأبعاد معمارية ضخمة، إذ يبلغ طولها نحو 57 متراً وعرضها 47 متراً، فيما يُقدّر ارتفاعها المفترض بنحو 21 متراً، بمساحة تتجاوز مساحة مبانٍ عالمية بارزة، من بينها البيت الأبيض في واشنطن.
وكشفت الحفريات عن درج معماري ضخم يقود إلى المدخل الرئيسي، فضلاً عن دعامات جدارية كبيرة أُضيفت لتعزيز وتدعيم المحراب، في حين تمكن الفريق الأثري للمرة الأولى من الوصول إلى مستوى الأرضية الأصلية للمبنى.
وتصل بعض الجدران المحيطة بالمدرج إلى ارتفاع 11 متراً، في حالة حفظ استثنائية تعكس القيمة التاريخية والمعمارية للموقع.
وأوضح مدير البعثة الأثرية، عالم النوبيات البولندي البروفيسور أرتور أوبووسكي، أن الكنيسة كانت مركزاً رئيسياً للإشعاع المعماري والتصميمي في المنطقة، ولعبت دوراً مؤثراً في تشكيل الطراز المعماري، على غرار كنيسة آيا صوفيا بالقسطنطينية.
ويرجح هذا الكشف إعادة النظر في الوظيفة المعمارية لبعض المباني الأثرية الواقعة خارج أسوار دنقلا العجوز، والتي اعتُقد سابقاً أنها تمثل الكاتدرائية الرئيسية للمدينة.
**كنيسة في الطابق العلوي.. ترانيم يونانية نادرة تعود إلى الواجهة**
ولم تقتصر الاكتشافات على المبنى الرئيسي، إذ رصدت البعثة آثار كنيسة أخرى شُيدت في الطابق العلوي لمبنى ملحق بالجانب الشرقي للكنيسة الكبرى.
وعلى الرغم من تعرض الجدران لاندثار جزئي، تمكن الفريق من استخراج مئات القطع الجصية الملونة التي تحمل بقايا جداريات متعددة الألوان.
وفي اكتشاف لافت على مستوى النقوش والكتابات القديمة، أوضحت خبيرة النقوش بالبعثة الدكتورة أجاتا ديبتولا أن الرديم الأثري احتوى على شظايا جصية تحمل نصوصاً دينية باللغة اليونانية مكتوبة بخط كتابي دقيق.
وتضم هذه النصوص ترانيم وأناشيد كتابية، من بينها جزء من «صلاة حنة» أم النبي صموئيل الواردة في العهد القديم، وهو نمط نادر مقارنة بالنصوص المستخرجة من سفر المزامير، الأكثر شيوعاً في مكتشفات دنقلا.
**الآثار في خدمة المجتمع.. مشروع لحماية التراث ودعم آلاف السكان**
وفي امتداد لجهود حماية التراث وربط العمل الأثري باحتياجات المجتمع المحلي، تزامنت أعمال التنقيب والتوثيق مع تدابير عاجلة لحماية الموقع من تداعيات السيول التي شهدتها المنطقة خلال خريف 2024.
وبالتنسيق مع الهيئة القومية للآثار والمتاحف، وبدعم من برنامج المساعدات البولندية «Polish Aid»، أشرفت البعثة على تشغيل محطة للطاقة الشمسية الكهرومائية، تسهم في تشغيل مضخات سحب المياه من النيل لخدمة أكثر من 10 آلاف نسمة من سكان المنطقة، إلى جانب تغذية ثماني محطات لتعزيز ضغط المياه بالمنازل المرتفعة.
ويبرز هذا الجانب من المشروع أهمية التكامل بين البحث الأثري وصيانة التراث من جهة، ودعم الخدمات الأساسية والتنمية المجتمعية من جهة أخرى.
**«أفروبوليس دنقلا».. مشروع دولي لإعادة كتابة تاريخ عاصمة المقرة**
وتأتي هذه الأبحاث ضمن مشروع «Afropolis Tungul» التابع لمجلس البحث الأوروبي، ومشروع «Kyriakós oíkos» الممول من مركز العلوم الوطني البولندي، بهدف إعادة بناء التاريخ الحضري والاجتماعي لعاصمة مملكة المقرة خلال الفترة الممتدة من القرن الرابع وحتى القرن الخامس عشر الميلادي.
ويمثل الكشف الجديد إضافة مهمة إلى سجل الحضارة النوبية، ويؤكد أن دنقلا العجوز لا تزال تخبئ بين أطلالها أسراراً تاريخية ومعمارية قادرة على إعادة تشكيل فهم العالم لإحدى أبرز الممالك الإفريقية في العصور الوسطى.
كردفان ميديا | السودان.. تاريخ وحضارة لا تنطفئ



