شيكان والكرامة.. ذاكرة النصر وبوابة السلام

شيكان والكرامة.. ذاكرة النصر وبوابة السلام
نهايات || فتحي الكرسني
تحتفل ولاية شمال كردفان بالذكرى الـ143 لمعركة شيكان التي وقعت في الخامس من نوفمبر 1883 لتظل واحدة من أبرز صفحات البطولة والفداء في تاريخ السودان ورمزاً وطنياً للمقاومة والتضحية والدفاع عن الأرض والكرامة.
ففي تلك الملحمة واجه أنصار الثورة المهدية حملة هكس باشا التي تقدمت نحو كردفان وأحاطوا بها في غابات شيكان لتنتهي المعركة بانتصار سوداني مدوٍ كان من أبرز التحولات التي مهدت لسقوط الحكم التركي المصري بالبلاد ثم تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885.
إن استحضار شيكان عندي يتحول إلى فعل وطني يستلهم دروس الماضي لمواجهة تحديات الحاضر واستشراف المستقبل فالمعارك الكبرى تبقى حية في الذاكرة والوعي والثقافة حيث تتشكل معاني الانتماء وتترسخ قيم التضحية والمسؤولية الوطنية.
ومن شيكان إلى كرري في الثاني من سبتمبر 1898 ظل السودانيون يقدمون نماذج متجددة في الدفاع عن وطنهم ومواجهة الأطماع والغزاة وصون سيادتهم وهويتهم.
واليوم في معركة الكرامة تتجدد هذه المعاني في مشاهد الصمود والتضحيات التي يقدمها الجندي السوداني والقوات المسلحة والقوات المساندة دفاعاً عن الأرض والشعب ومؤسسات الدولة.
تحية إجلال لكل جندي يرابط في ميادين المواجهة ولكل شهيد بذل روحه ولكل مواطن صابر احتضن الوطن في محنته وساند قواته وحافظ على تماسك المجتمع رغم قسوة الحرب.
ولا تكتمل التحية إلا بالاعتزاز بالشعب السوداني الذي ظل عبر تاريخه سنداً لوطنه في مواجهة الغزاة والأعداء وامتلك قدرة استثنائية على النهوض بعد المحن مستنداً إلى إرث من الشجاعة والتكافل والوفاء.
غير أن الانتصار الحقيقي يتجسد أيضاً في استعادة الأمن وصون وحدة البلاد وإعادة بناء ما دمرته الحرب وإعلاء قيم العدالة والسلام.
وفي هذا السياق يبرز متحف شيكان بوصفه حارساً للذاكرة الوطنية ومؤسسة ينبغي أن تستعيد دورها في البحث والتوثيق والتوعية وأن تفتح أبوابها للطلاب والباحثين والأجيال الجديدة.
كما تظل الثقافة والإعلام والفنون أدوات فاعلة لتحويل الذكرى إلى معرفة حية وتعزيز الهوية الجامعة وترميم النسيج الاجتماعي ومواجهة خطاب الكراهية وإحياء قيم الجودية والتسامح والتعايش.
إن الذكرى الـ143 لشيكان فرصة لتأكيد أن شيكان ذاكرة النصر والكرامة معركة الحاضر والثقافة جسر المستقبل وبها جميعاً نمضي نحو سودان آمن موحد تسوده الكرامة والسلام.
وتستحق شمال كردفان بما تحمله من إرث عريق وموقع في الوجدان السوداني أن تجعل من المناسبة برنامجاً سنوياً مستداماً عبر الندوات والمعارض والمسرح والشعر والموسيقى والفنون الشعبية وإنتاج مواد إعلامية موثقة تستعيد تفاصيل المعركة وشخصياتها ودلالاتها.
ومن هنا يصبح الوفاء لشيكان والكرامة عملاً يومياً في خدمة المواطن وبناء المؤسسات وإغاثة المتضررين وإصلاح ذات البين حتى تتحول تضحيات السودانيين إلى وطن يستحقون العيش فيه بسلام.


