مقالات وتقارير

من تدفق المقاتلين إلى عودة الجرحى.. ماذا جرى لجنجويد تشاد؟

من تدفق المقاتلين إلى عودة الجرحى.. ماذا جرى لجنجويد تشاد؟

عبدالسلام كتر

هاتفني صديق تشادي بصوت مشحون بالدهشة، وألقى عليّ سؤالاً بدا غريباً في صياغته، لكنه عميق في دلالاته: «إنتو هناك سويتوا شنو للجنجويد؟».. أي ماذا فعل الجيش السوداني بمقاتلي الدعم السريع؟

أجبته متسائلاً: «شنو كان؟».. فبدأ يحدثني، بعين من تابع المشهد عن قرب، عن تحولات كبيرة طرأت على المزاج العام في بعض المدن والمناطق التشادية منذ اندلاع الحرب في السودان.

قال إن السنوات الأولى للحرب شهدت حالة من الحماس والاندفاع وسط مجموعات من الشباب، الذين تدافعوا نحو السودان استجابة لدعوات التعبئة والفزع، مدفوعين بخطاب تعبوي كان ينتشر بكثافة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ويروج لوعود بالانتصار والغنائم وتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية.

وبحسب روايته، لم يقتصر تدفق المقاتلين على المدن والقرى التشادية، بل امتد إلى مناطق في دول الجوار، حيث كانت مجموعات من الشباب تتجه إلى السودان عبر ترتيبات نقل منظمة، فيما نشطت شبكات ووسطاء في تسهيل عمليات التفويج، وحقق بعض أصحاب وسائل النقل أرباحاً كبيرة من هذه الرحلات.

ويستعيد صديقي تلك الفترة قائلاً إن العائدين من السودان كانوا يتباهون بما حصلوا عليه من أموال وممتلكات وسيارات، ويتحدثون عن مكاسب الحرب باعتبارها فرصة للثراء السريع. وكان بعضهم لا يمكث طويلاً حتى يعود مجدداً إلى السودان، طمعاً في المزيد.

وفي شوارع مدن مثل أبشي وأنجمينا، بحسب إفادته، ظهر بعض الشباب وهم يجوبون الطرقات على متن الدراجات النارية والسيارات، رافعين شعارات الدعم السريع وصور قائده، في مشاهد أثارت مخاوف قطاعات من المواطنين، خاصة مع تصاعد الخطاب الاستفزازي والتهديدات التي طالت مجموعات سكانية على خلفية انتماءاتها القبلية.

ويقول إن الأمر تجاوز حدود الاحتفاء بالمشاركة في الحرب إلى التفاخر بالانتهاكات التي شهدتها مدن سودانية، والتلويح بتكرارها في مناطق أخرى، بل امتد الخطاب إلى توجيه انتقادات وتهديدات للنظام التشادي نفسه، في منشورات وتسجيلات تداولها بعض أنصار الدعم السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

لكن السؤال الأهم كان: ما الذي تغير الآن؟

قاطعته متسائلاً: «شنو الحاصل هسع يا خاي؟»

جاءت إجابته مختلفة هذه المرة، وبنبرة تجمع بين الحماس والدهشة: «اليوم بالكاد تجد زولاً مسافراً إلى السودان، وكل الذين كانوا يتحركون في اتجاهه أصبحوا يعودون من هناك».

وبحسب روايته، تراجع تدفق المقاتلين من المناطق التشادية، بعد أن تبدلت صورة الحرب لدى كثيرين، وتراجعت الوعود التي كانت تحفز الشباب على المشاركة فيها، مقابل أخبار الخسائر البشرية والإصابات والإعاقات، وانقطاع أخبار أعداد من الذين غادروا ولم يعودوا.

ويصف حال بعض القرى والمناطق التي كانت ترفد الحرب بالشباب، قائلاً إن آثار الغياب باتت واضحة؛ فقدت أسر أبناءها، وتيتم أطفال، وترملت نساء، بينما تنتظر عائلات أخرى أخبار أبنائها الذين انقطعت صلتهم بهم منذ مغادرتهم إلى السودان.

أما الذين عادوا، فيقول إن كثيرين منهم رجعوا في أوضاع صحية ونفسية صعبة، بعد أن فقد بعضهم أطرافاً أو تعرضوا لإصابات وإعاقات دائمة. واختفى، وفق وصفه، ذلك التفاخر الذي كان يميز أحاديث العائدين في بداية الحرب، وحل محله الحزن والأسئلة عن رفاق السلاح الذين تركوهم خلفهم.

واللافت في روايته أن بعض العائدين أصبحوا يتحدثون عن التعايش السلمي وحسن الجوار، ويستشهدون بالنصوص الدينية التي تحرم الاعتداء والظلم، بعد أن كانوا جزءاً من خطاب تعبوي لا يعرف سوى التهديد والوعيد. وكأن تجربة الحرب أعادت ترتيب قناعاتهم، وأجبرتهم على مراجعة حساباتهم.

وحين سألت عن أولئك الذين كانوا يحرضون الشباب ويدفعونهم نحو السودان، وعن الشخصيات العسكرية التي قيل إنها سهلت حركة المقاتلين، جاء رده مقتضباً: «كل واحد منهم طأطأ رأسه وأدخل ذيله بين ساقيه».

كانت تلك العبارة، بما تحمله من دلالات، تختصر في نظره التحول الذي أصاب المشهد؛ فالأصوات التي كانت تملأ الفضاء بالتهديدات والوعود تراجعت، والوجوه التي كانت تتصدر مشهد التعبئة أصبحت أكثر حذراً وصمتاً.

إنها شهادة من الجانب الآخر، تفتح نافذة على جانب من تداعيات الحرب خارج الحدود السودانية، وتطرح تساؤلات عن مصير آلاف الشباب الذين اندفعوا إليها، وعن الأثمان التي دفعتها أسرهم ومجتمعاتهم، وعن الجهات التي استفادت من تحويلهم إلى وقود لمعركة لا يعرف كثيرون منهم نهايتها.

فالحرب التي رُوّج لها باعتبارها طريقاً إلى الغنائم والنفوذ، قد تتحول في ذاكرة المشاركين فيها إلى رحلة خسارة وفقدان وندم.

ويبقى السؤال: هل توقف تدفق المقاتلين من تشاد نتيجة تراجع الحماس، أم أن ما تكشفه أخبار الخسائر في الميدان جعل الخوف من المصير المحتوم أقوى من وعود التعبئة والإغراء؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى