صحيفة (شيكان) تحاصر والي شمال كردفان بالأسئلة الساخنة حول الانتصارات وزيارته للخرطوم

صحيفة (شيكان) تحاصر والي شمال كردفان بالأسئلة الساخنة حول الانتصارات وزيارته للخرطوم
عبد الخالق: نتوقع سداد أكثر من 90% من متأخرات المعلمين بنهاية 2026
علينا أن نهيئ البيئة لعودة المواطنين واعادة تشغيل المياه والصحة والتعليم والخدمات
طريق الصادرات تحول من قبضة المليشيا إلى شريان اقتصادي استراتيجي
*الأبيض عاصمة الصناعة.. وخمس منظومات استثمارية تضع شمال كردفان على خارطة الاقتصاد*
*الجيش حرر الأرض والمواطن شريك في تأمينها وإعمارها*
حاوره/معتصم حسن-آدم أبوعاقلة-الصادق البشير
تصوير/شرف الدين محمد موسى
*في أعقاب التحولات العسكرية الكبيرة التي شهدتها ولاية شمال كردفان، وتحرير عدد من المناطق الاستراتيجية وفتح طريق الصادرات، تدخل الولاية مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: ماذا بعد التحرير؟وانطلاقاً من هذه الأسئلة، حرصت صحيفة (شيكان) على إجراء حوار شامل مع والي شمال كردفان عبدالخالق عبداللطيف وداعة الله، تناولت خلاله تفاصيل زيارته الأخيرة إلى العاصمة الاتحادية الخرطوم، ولقاءاته بعدد من الوزراء و المسؤولين بالملفات الخدمية والاقتصادية والتنموية بالمركز. كما توقف الحوار عند دلالة عودة الوالي إلى الولاية عبر طريق الصادرات، بعد تحريره من قبضة المليشيا المتمردة، وما شاهده خلال الرحلة من آثار الدمار والنهب الذي طال الممتلكات والمنشآت الآليات. ويفتح الوالي في هذا الحوار ملفات المياه والصحة والتعليم والذهب وقسمة الإيرادات والاستثمار وإعادة الإعمار وتأمين المناطق المحررة، ويكشف عن خطط الولاية لتأهيل المستشفيات والمراكز الصحية، وإعادة تشغيل مصادر المياه، ودعم الأسر المنتجة، وتأمين طريق الصادرات، إلى جانب رؤيته لمستقبل الأبيض كعاصمة صناعية واقتصادية للوسط والغرب السوداني..* فإلى مضابط الحوار:
*بداية ما الذي حملتموه إلى الخرطوم؟ وما أبرز نتائج الزيارة؟*
الزيارة جاءت في توقيت مهم خاصة بعد الاستقرار النسبي والتحولات الكبيرة التي شهدتها ولاية شمال كردفان، وتحرير عدد من المناطق الاستراتيجية، فكانت الزيارة للمشاركة في ملتقى حول التعدين وقضايا الذهب، ثم عقدنا سلسلة من الاجتماعات مع عدد من الوزارات والمؤسسات الاتحادية، وكان هدفنا الأساسي إيصال صوت الولاية ومطالب مواطنيها، خاصة في مجالات الصحة والمياه والتعليم والخدمات والتنمية.
وكان مهماً بالنسبة لنا أن نستفيد من الزيارة في فتح الملفات العاجلة، خصوصاً أن الولاية مقبلة على مرحلة جديدة بعد التحرير، وهي مرحلة إعادة الخدمات وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين.
*لماذا كان ملف الذهب حاضراً بقوة في اجتماعاتكم؟*
الذهب يمثل مورداً اقتصادياً مهماً للسودان، وهناك فجوة كبيرة بين حجم الإنتاج والكميات التي تمر عبر القنوات الرسمية.
في الملتقى طرح أن إنتاج السودان من الذهب بلغ نحو 198 طناً في عام 2025، بينما كانت الكميات التي صدرت عبر القنوات الرسمية في حدود 70 طناً، وهذا فارق كبير يؤكد حجم مشكلة التهريب.
وشمال كردفان من الولايات المنتجة للذهب خاصة مناطق سودري وجبرة الشيخ وغيرها، إلى جانب مناطق أخرى تحتاج إلى مزيد من الاستكشاف.
لذلك طرحنا ضرورة إحكام السيطرة على الذهب المنتج في السودان، ومنع تهريبه، وضمان حصول الولاية المنتجة على نصيبها من عائداته، إلى جانب ضرورة إنشاء بورصة للذهب داخل السودان، بما يساعد على تعظيم العائد الاقتصادي للدولة والمنتجين.
*وماذا عن قسمة الإيرادات بين المركز والولايات؟*
هذا كان من الملفات الأساسية في اجتماعات الولاة مع وزارة الحكم الاتحادي،
ناقشنا القسمة الرأسية والأفقية للإيرادات القومية، وأكدنا ضرورة مراجعة المعايير بصورة تحقق العدالة بين المركز والولايات،
القسمة الحالية منذ عام 2023 تقوم على 30% للولايات و70% للمركز، وهي بالنسبة لنا مقبولة في الظروف الحالية، لكن الأهم أن نعرف حجم الإيرادات القومية الحقيقية حتى تكون القسمة مبنية على أرقام واضحة.
كما أكدنا أن البلاد ما زالت في مرحلة حرب الكرامة وأن الحكومة الاتحادية تتحمل العبء الأكبر في تمويل القوات المسلحة وتسليحها وتشوينها، ولذلك يجب أن تراعي المعايير هذه الظروف.
وفي المقابل، هناك ولايات تأثرت بالحرب بصورة كبيرة ويجب أن يكون هناك تضامن وطني معها، سواء بتخصيص جزء من الاحتياطي الاتحادي أو من خلال مساهمة بعض الولايات المستقرة في دعم الولايات المتأثرة.
*بعد تحرير المناطق، كيف تستعد الولاية لعودة المواطنين؟*
نحن نؤمن بأن المواطن يجب ألا يعود إلى منطقة لا تتوفر فيها مقومات الحياة الأساسية،
لذلك وجهنا أجهزة الولاية بالتحرك فوراً إلى المناطق المحررة، خاصة بارا وجبرة الشيخ وأم دم حاج أحمد، لتوفير المياه والصحة والسلع الاستراتيجية،
وفي قطاع الصحة اتفقنا مع وزارة الصحة الاتحادية على العمل لتأهيل أربعة مستشفيات و12 مركزاً صحياً بصورة مبدئية، كما بدأنا في تنفيذ العيادات الجوالة لتقديم الخدمات بصورة فورية إلى حين اكتمال تأهيل المؤسسات الصحية.
أما في المياه، فقد استهدفنا نحو 24 مصدراً للمياه في محليتي بارا وجبرة الشيخ، تشمل الآبار والطلمبات والطاقة الشمسية وتأهيل الخزانات والصهاريج التي تعرض بعضها للتدمير.
كما نسعى إلى تكوين مخزون من المواد الغذائية في المناطق المحررة بالتعاون مع مفوضية العون الإنساني وقطاع التنمية الاجتماعية وديوان الزكاة، حتى تكون العودة الطوعية آمنة وميسرة.
*وماذا تم بشأن دعم ديوان الزكاة؟*
عرضنا على ديوان الزكاة الاتحادي أوضاع المواطنين في المناطق المحررة والنازحين، واحتياجات محليات بارا وجبرة الشيخ وأم دم حاج أحمد،
ووافق الديوان مبدئياً على التدخل في توفير كميات مقدرة من الغذاء والسلال، وكذلك ناقشنا معهم الانتقال من المساعدات المباشرة إلى دعم وسائل الإنتاج،
لان الحرب أفقدت كثيراً من الأسر مصادر دخلها، لذلك طرحنا تمويل الأسر المنتجة، وتوفير الماعز والتقاوى والمدخلات الزراعية، ومساعدة أصحاب المهن والأعمال اليومية في توفير وسائل إنتاج تساعدهم على استعادة حياتهم الاقتصادية.
ونسعى إلى وضع خطة واضحة للنصف الثاني من عام 2026، لتبدأ مشروعاتها بصورة أكبر في عام 2027.
*المياه تبدو في مقدمة أولوياتكم.. ماذا لديكم من مشروعات؟*
المياه واحدة من أهم أولوياتنا، لدينا اتفاقات سابقة مع وحدة تنفيذ السدود تشمل ثلاثة خزانات وأربعة حفاير و24 بئراً، وسنبدأ في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بعد تحسن الوضع الأمني.
كما اتفقنا على تنفيذ 24 بئراً بالتعاون مع وحدة تنفيذ السدود، وستتحمل الولاية فرق تكلفة الحفائر إلى حين استلام الشركة المتعاقدة مستحقاتها، ثم تسترد الولاية ما دفعته لاحقاً.
والمشروع سيشمل مناطق مهمة مثل الرهد وأم روابة وسودري وجبرة الشيخ.
أما المصادر الشمالية للأبيض، فلدينا نحو 38 بئراً، ونعمل على صيانة 20 بئراً منها، أي أكثر من 60% من الآبار المستهدفة.
كما ستتيح المنحة السعودية حفر ستة آبار في المناطق الشمالية والشرقية من الأبيض، بتكلفة تقدر بنحو 550 مليون جنيه، بما يوفر مصدراً إضافياً للمياه.
*هل لديكم حلول استراتيجية لأزمة مياه الأبيض؟*
بالتأكيد. نحن لا نريد الاكتفاء بالمعالجات المؤقتة، هناك دراسات للاستفادة من المياه الجوفية، وتوسعة تردة الرهد، إلى جانب دراسة نقل المياه من النيل الأبيض.
لكن نقل المياه من النيل الأبيض يحتاج إلى تكلفة تشغيلية عالية جداً، ولذلك نبحث عن الحل الأكثر جدوى واستدامة.
كما نعمل على الاستفادة من الأحواض الجوفية الممتدة في شمال كردفان، والاستعانة بالدراسات الجيولوجية والأقمار الصناعية لتحديد مواقع المياه بصورة دقيقة.
*وماذا عن مشكلة الكهرباء والمياه في بارا؟*
اتفقنا مع الجهات المختصة على إعداد عطاء محدود للشركات المؤهلة لتنفيذ ناقل كهربائي من الأبيض إلى بارا.
وقد وجهت وزارة المالية بالمساعدة في تمويل المشروع، لكننا لن ننتظر وصول التمويل الاتحادي، بل سنبدأ بما هو متاح لدينا في الدراسات والإجراءات الأولية.
وبالنسبة للمياه، هناك خيار توسعة تردة الرهد وإنشاء ناقل احتياطي، إلى جانب دراسة نقل المياه من النيل الأبيض، لكننا نبحث عن الحل الأقل تكلفة والأكثر استدامة.
*كيف كانت رحلة العودة من ام درمان عبر طريق الصادرات؟*
كانت القيادة العامة متحفظة في البداية على عبور الطريق، بسبب المخاطر الهندسية، خاصة أن هناك أجزاء لم تكن قد أُمّنت بالكامل، مع احتمال وجود ألغام أو متفجرات.
لكننا أصررنا على العبور لأهمية الرسائل التي أردنا إيصالها، وتحركنا بعربتين وبرفقة الحراسة الشخصية، والحمد لله وصلنا بسلام.
لكن المشاهد التي رأيناها كانت مؤلمة للغاية.
شاهدنا أعداداً كبيرة من العربات المدمرة، من اللواري والعربات الكبيرة والصوالين، وحتى اللودرات والبوكلينات والجرارات،
هناك عربات جُردت بالكامل من أبوابها ومحركاتها وكابلاتها وإطاراتها وأجزائها. وهذا يعكس حجم النهب والدمار الذي طال ممتلكات الشعب السوداني.
كما وجدنا المنازل ومصادر المياه والمدارس والمستشفيات والخدمات في حالة تدمير كامل.
وفي المقابل، من المشاهد الإيجابية كانت عودة الغطاء النباتي إلى بعض المناطق، ووجود مؤشرات جيدة على إمكانية استعادة النشاط الزراعي.
*وماذا عن مشروعَي نادك وحملان؟*
مشروع نادك تعرض للنهب وسُرقت آلياته ومعداته، ونحن نعمل على استعادة المشروع وإعادة طرحه للاستثمار.
أما مشروع حملان، فلدى الولاية فيه نسبة تقدر بنحو 19.31%، وسنجلس مع الجهات المختصة لمناقشة حقوق الولاية وموقفها في المشروع، خاصة بعد الإجراءات المتعلقة بإعادة الممتلكات إلى الدولة.
*لماذا يمثل طريق الصادرات كل هذه الأهمية بالنسبة لشمال كردفان؟*
طريق الصادرات ليس مجرد طريق عادي؛ إنه شريان اقتصادي ومحور سياسي وعسكري واستراتيجي.
اقتصادياً، يربط الأبيض بمناطق واسعة من السودان، ويسهم في خفض تكلفة نقل السلع والبضائع، ويوفر الزمن والوقود والجهد.
وعسكرياً، يمثل محور إمداد مهماً للقوات المسلحة، ويسهل حركة القوات والإمدادات نحو المناطق الأمامية، كما يفتح الطريق باتجاه دارفور.
فتح الطريق كان نتاجاً لتكامل أدوار القوات المسلحة والمستنفرين والمجتمعات المحلية. وفي طريق الأبيض ـ كوستي كان للمستنفرين دور مهم، بينما بدأ فتح طريق الصادرات بواسطة القوات المسلحة ثم التحقت بها قوات متحرك الكرامة والمستنفرون.
هذه التجربة تؤكد أن القوات المسلحة والمجتمعات يكمل بعضها بعضاً.
كيف تضمنون عدم عودة التهديدات إلى المناطق المحررة؟
الجيش قام بدوره في التحرير وتأمين الأرض، لكن لا يمكن أن نضع جندياً في كل شارع وكل منزل.
لذلك نحن بحاجة إلى استمرار الاستنفار الشعبي والمقاومة الشعبية لتأمين الطرق والمزارع ومصادر المياه، إلى أن تكتمل منظومة انتشار القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات.
بدأنا بالفعل في تجهيز معسكرات للمستنفرين، منها نحو 520 مستنفراً من جبرة الشيخ، ونحو 500 من أم سيالة والمناطق المحيطة بها، إلى جانب ترتيبات لاستيعاب مستنفرين من بارا وغربي بارا وسودري.
رؤيتنا هي أن الجيش يحرر ويؤمّن، والمواطن يساند ويحمي ويعمر، وكل جهاز يؤدي دوره وفق اختصاصه.
*ماذا عن التعليم ومتأخرات المعلمين؟*
التعليم لا يمكن اختزاله في قضية المرتبات.
نحن ملتزمون بسداد مستحقات المعلمين، وبدأنا بالفعل في دفع المتأخرات، ونتوقع أن نسدد أكثر من 90% منها بنهاية عام 2026.
لكن مشكلة التعليم أكبر من ذلك؛ فهي تشمل البيئة المدرسية والفصول والكتاب المدرسي والتغذية المدرسية وتأهيل المدارس، إلى جانب قضية المناهج.
ونحن نعمل على امتلاك مطبعة تعليمية في الولاية، وقد اتفقنا مع الشركة السودانية للموارد المعدنية على المساهمة بنسبة 50% من تكلفة المطبعة.
وإذا تم الاتفاق بصورة نهائية، يمكن أن تخدم المطبعة ولايات كردفان وغيرها، وهو ما نعتبره جزءاً من التكامل والوحدة الوطنية.
كيف ترون مستقبل شمال كردفان اقتصادياً بعد الحرب؟
نعمل على جعل الأبيض عاصمة صناعية واقتصادية للوسط والغرب السوداني.
لدينا خمس منظومات رئيسية يمكن أن تشكل أساساً للاستثمار: الصناعات الزراعية والغذائية، والصناعات المرتبطة بالثروة الحيوانية، والصمغ العربي، والتعدين، والصناعات الطبية والدوائية.
كما توجد فرص للاستثمار في زراعة النباتات العطرية وإنشاء المستشفيات والمصانع الدوائية، وقد بدأت اتصالات مع شركات هندية وتركية في هذا المجال.
ونرى أن القطاع الخاص هو الأقدر على إدارة هذه المشروعات، بينما تركز الحكومة على توفير البيئة والتشريعات والشراكات.
كما نعمل على تعزيز التكامل بين شمال وجنوب وغرب كردفان؛ فغرب كردفان لديها النفط والثروة الحيوانية، وجنوب كردفان لديها المعادن والثروة الغابية، وشمال كردفان لديها موارد معدنية وزراعية وحيوانية.
إذا تكاملت هذه الموارد، يمكن أن تصبح كردفان كتلة اقتصادية كبرى للسودان.
*أخيراً.. ما رسالتكم للمواطنين والقوات المسلحة والقطاع الخاص؟*
رسالتنا للقوات المسلحة هي الشكر والتقدير على ما قامت به من تضحيات وتحرير للمناطق وفتح للطرق.
أما رسالتنا للمواطنين فهي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى العمل والبناء والصبر. علينا أن نهيئ البيئة لعودة المواطنين، ونعيد تشغيل المياه والصحة والتعليم والخدمات، ونرفع من وتيرة الاستنفار والإسناد المجتمعي.
ورسالتنا للقطاع الخاص أن أبواب شمال كردفان مفتوحة أمام الاستثمار المنتج، لأن المرحلة المقبلة ليست مرحلة إعادة ما دمرته الحرب فقط، وإنما مرحلة بناء اقتصاد جديد قائم على الإنتاج.
ونحن أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء شمال كردفان بصورة أفضل، من خلال شراكة واسعة بين الحكومة والقوات المسلحة والمجتمع والقطاع الخاص والمبادرات الشعبية.
الجيش حرر الأرض، والمواطن شريك في تأمينها وإعمارها، والحكومة مسؤولة عن تهيئة البيئة، والقطاع الخاص شريك في الإنتاج والتنمية.
وهذه هي المعادلة التي نريد أن نبني عليها مستقبل شمال كردفان ومستقبل السودان.


