في حوار مع وزير المالية المكلف.. شمال كردفان تُدير اقتصاد الحرب بميزانية مرنة (1)

في حوار مع وزير المالية المكلف.. شمال كردفان تُدير اقتصاد الحرب بميزانية مرنة (1)
ااهادي ناصر.. العاملون والمعاشيون في صدارة أولويات الصرف رغم تحديات الحرب
في ظل ظروف استثنائية وتحديات أمنية معقدة تبرز ولاية شمال كردفان كنموذج رائد في إدارة الموارد الذاتية وتحقيق السيادة المالية.
في هذا الجزء من حوارنا مع الأستاذ الهادي ناصر منير المدير العام لوزارة المالية والوزير المكلف نغوص في عمق “ميزانية الطوارئ” لعام 2026 ويكشف لنا الوزير عن كواليس الصرف على معركة الكرامة وكيف استطاعت الولاية -مستفيدة من تجربة الخرطوم- تأسيس جهاز لتنمية وتحصيل الإيرادات نجح في سداد مليارات الجنيهات من مستحقات المعاشيين مع التركيز على استحقاقات العاملين واستمرارية العملية التعليمية ودعم استقرار المواطن.
حوار: عبدالله حبيب الله / فتحي الكرسني
*س: السيد الوزير.. كيف استطاعت وزارة المالية صياغة موازنة 2026 لتلائم واقع “ولاية حرب” وتبشر المواطن بالاستقرار؟ وهل أثر الصرف العسكري الضخم على بنود الخدمات؟
الوزير: نحن في ولاية شمال كردفان وبإشراف مباشر ومتابعة دقيقة من السيد الوالي وضعنا “ميزانية مرنة” تصنف كطوارئ بالدرجة الأولى.. وفلسفتنا تقوم على السيطرة الكاملة على التدفقات المالية وتوجيهها نحو “الأولويات الأربعة”.. وبكل صراحة وشفافية الصرف على الأمن يمثل الأولوية القصوى ويستحوذ على أكثر من 60% من مصروفاتنا لتوفير كافة المعينات اللوجستية والميدانية لتعزيز معركة الكرامة.. ونحن نؤمن أن “الأمن هو صمام أمان الاقتصاد”؛.. فاستقرار الولاية هو الذي يسمح لبقية الخدمات بالاستمرار.. ورغم هذا الضغط لم يسقط بند الخدمات.. إنما نجحنا في تنفيذ مشروعات كانت تُعد “أحلاماً” في سنوات السلم مما يؤكد أن الإرادة الإدارية قادرة على العبور بالولاية إلى بر الأمان.
*س: ينتظر العاملون في الخدمة المدنية “بشريات” ملموسة فيما يتعلق بالمرتبات والمتأخرات، ما هي استراتيجيتكم للإيفاء بهذه الالتزامات في ظل شح الموارد؟
الوزير: العاملون هم العمود الفقري للدولة ونحن نضعهم في حدقات عيوننا.. لقد أحدثنا “ثورة إدارية” من خلال حوسبة الأجور بنسبة كبيرة مما مكننا من ضبط المظلة المالية وضمان وصول الحقوق لمستحقيها بالعدالة والشفافية المطلوبة.. ونحن نخطط الآن لإحداث اختراق كبير في ملف المتأخرات.. حيث رتبنا أوضاعنا بفضل كفاءة التحصيل ونسعى لصرف راتب شهرين بالتركيز على المعلمين.. علماً أن تكلفة هذه الخطوة تبلغ نحو 5 مليارات جنيه.. بدأنا بقطاع التعليم كأولوية وسنستكمل بقية القطاعات تباعاً لأننا نملك الآن قدرة مالية ناتجة عن “الضبط الإداري” لم تكن متوفرة في السنوات السابقة.
*س: في ظل الظروف الراهنة، كيف تنظرون لملف التعليم، وما هو حجم الإنفاق الفعلي الذي خصصته الوزارة لهذا القطاع؟
الوزير: التعليم هو معركة الوعي والبناء.. وهو خط أحمر في ميزانيتنا.. لقد وفرنا التمويل الكامل لكافة البرامج الدراسية والامتحانات بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم والشركاء.. لغة الأرقام تقول إننا في العام 2026 وحده.. خصصنا 3 مليار جنيه على قطاع التعليم.. وهذا المبلغ شمل بدء عمليات تأهيل وصيانة المدارس التي تضررت.. ونحن نعتبر صيانة “الأصول التعليمية” واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل.. وجاهزون لتمويل طباعة الكتاب المدرسي وإعادة الإعمار بمجرد اكتمال الدراسات الفنية.
*س: حققتم نجاحاً وُصف بـ”الاختراق المالي” في تسوية مديونيات المعاشات والتأمين الصحي، كيف تمت هذه المعالجة المالية المعقدة؟
الوزير: هذا الملف كان يمثل جرحاً نازفاً وهماً كبيراً لنا.. ولكن بفضل الله.. وبجهد ولائي خالص (موارد ذاتية 100%).. دفعنا ما لا يقل عن 6 مليارات جنيه لتسوية مديونيات الصناديق الثلاثة (المعاشات، التأمينات، والتأمين الصحي). واليوم أقولها بكل فخر: أي عامل يحال للمعاش في ولايتنا يستلم كافة حقوقه (نهاية الخدمة، الترحيل، والمتأخرات) “فوراً” ودون انتظار.. كما قمنا بتفعيل مجلس تمويل التأمين الصحي برئاستي.. ونجحنا في استرداد ديون الولاية المتراكمة لدى الشركات ومؤسسات القطاع الخاص.. مما أعاد الروح للخدمة الطبية للمشتركين بكرامة.. وجعلنا الولاية الوحيدة التي تفي بهذه الالتزامات في ظل الحرب.
*س: جهاز تنمية وتحصيل الإيرادات أصبح “الذراع المالي الضارب” للولاية، ما هي المرجعية الإدارية التي استندتم إليها في هذا النجاح؟
الوزير: النجاح لا يأتي من فراغ.. ونحن لا نستحي من التعلم من التجارب الناجحة.. لقد استفدنا بصورة مباشرة وعميقة من تجربة ولاية الخرطوم في تأسيس وهيكلة جهاز الإيرادات.. وقمنا بتطويرها لتناسب واقعنا المحلي.. أعدنا هيكلة الجهاز ليكون جسماً فنياً مستقلاً ومرناً مهمته لا تقتصر على التحصيل التقليدي وإنما تعمل على “تنمية” الموارد عبر ابتكار بنود إيرادية جديدة واسترداد مديونيات الولاية الضخمة لدى القطاع الخاص.. هذا الجهاز هو الذي حقق لنا “السيادة المالية” ومكننا من الصمود والثبات في وجه التحديات.
*س: السيد الوزير.. في ظل ظروف الحرب والعمل بـ”قانون الطوارئ المالي”، كيف تضمنون وصول هذه الموارد لمستحقيها؟
الوزير: العمل بـ”الطوارئ” يعني “السرعة مع الصرامة”.. لقد فعلنا دور الإدارة العامة للمراجعة الداخلية ومنحناها صلاحيات واسعة للرقابة القبلية والبعدية على كافة بنود الصرف.. كما أن نظام “حوسبة الأجور والتحصيل” قلل من التدخل البشري إلى أدنى مستوياته، مما أغلق منافذ التسرب المالي.. رسالتي للجميع واضحة: “لا تهاون في قرش واحد من مال مواطن شمال كردفان”، ونحن نطبق إجراءات محاسبية دقيقة تضمن أن كل مبلغ يُصرف يذهب للجهة المحددة له في الموازنة.
نواصل…


