البرهان وبوتين هل تغيرت مفاتيح اللعب واتجه السودان شرقا ام ما زال التردد قائم؟
البرهان وبوتين هل تغيرت مفاتيح اللعب واتجه السودان شرقا ام ما زال التردد قائم؟
هل لقاء الكرملين يفتح أفاق جديدة أمام الخرطوم
المصالح الاستراتيجية والاقتصاد وإعادة الإعمار في ميزان التحالفات الدولية الجديدة
تقرير عثمان يونس
*1*
لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين حمل في توقيته ومضمونه رسائل مهمة تضع مستقبل التحالفات السودانية واتجاه بوصلة السياسة الخارجية ومفاتيح اللعب في الأزمة السودانية التى بدأت بالفعل تتغير.
وهل اتجهت الخرطوم الى الشرق بحثا عن حلفاء جدد وشراكات أكثر تأثير في معادلة الحرب والاقتصاد والسياسات الخارجية التى لعبت فيها المصالح والاستراتيجيات ام تفلح الدبلوماسيات فى تهيئة المناخ وتعمل على قراءة المشهد العالمى الذى بدأت فيه التحالفات بين الدول الكبرى فى المنطقة بعد حرب الخليج بين امريكا وايران والكيان الصهيونى ودخول لاعبين جدد فى المنطقة.
*2*
الزيارة لحضور القمة الروسية الأفريقية الثالثة وعلى هامش القمة التقى البرهان وبوتين ماذا جرى فى اللقاء هل تمت مناقشة العلاقات السودانية الروسية والتى تحتاج الى مرحلة رفع مستوى الشراكات الاستراتيجية والتى تتصل بالمصالح والنفوذ والاقتصاد والأمن وإعادة رسم موقع السودان في خارطة التوازنات الدولية الجديدة ام يصيبها التردد وتصبح حبيسة الاضابير والادراج.
لتنفيذ مخرجات لقاءات رئيس مجلس السيادة مع الجانب الروسى تحتاج الى حكومة ذات همة عالية ووزراء من نوع خاص لتنفيذ مخرجات هذه الزيارة والاتفاق على اسس تعلو فيها مصلحة الوطن والمواطن.
القيادة الروسية هل وضعت البيض فى سلة الحكومة السودانية؟.
ينظر ابناء الشعب السوداني لمخرجات اللقاء والذى يأملون من القيادة السودانية ان تعيد النظر فى علاقاتها مع الغرب وتتجهه شرقا لأن القيادة الروسية تنظر الى مستقبل علاقتها مع السودان من خلال الحزم التى قدمتها سابقا وتقدمها اليوم.
السودان مطالب ان يسعى إلى اعادة بناء تلك العلاقة مع موسكو إلى مصالح اقتصادية متبادلة تجعل روسيا شريكا في هذه المرحلة.
موسكو تنظر إلى السودان من زاويا عدة لموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وهو بوابة مهمة إلى العمق الأفريقي فضلا عن ثرواته المعدنية والزراعية وموارده الطبيعية وهذه المعطيات تجعل السودان رقم مهم في حسابات القوى الدولية الساعية إلى توسيع نفوذها في أفريقيا وتأمين مصالحها في الممرات البحرية والتجارية الحيوية.
روسيا ظلت تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره أحد المواقع المهمة في استراتيجيتها الدولية وأن ملف التعاون البحري واللوجستي مع السودان من اولوياتها في علاقات البلدين منذ سنوات.
ولقد تعثر بسبب المتغيرات السياسية والضغوط الدولية ولذلك فإن الحديث عن منطقة اقتصادية حرة واستثمارات روسية على الساحل السوداني لها أهمية خاصة ويعيد إلى الواجهة سؤال المصالح الروسية في البحر الأحمر وهل موسكو مستعدة للانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ.
*3*
لكن هل يعني ذلك أن السودان حسم خياراته واتجه شرقا بصورة نهائية؟.
الإجابة تحتاج إلى قراءة واقعية بعيدا عن الحماس السياسي فالسودان الذي يخوض حرب معقدة ويدفع شعبه من وراءها معاناة إنسانية واقتصادية ارهقت كاهله ولذلك يحتاج إلى تنويع علاقاته الدولية ولا يستطيع أن يضع مستقبله في سلة واحدة مهما كانت أهمية الدولة التي يتجه إليها.
فالعالم اليوم لا تحكمه العواطف وإنما المصالح والدول لا تقدم الدعم مجانا بل تتحرك وفق حسابات استراتيجية واقتصادية وأمنية واضحة.
إن التقارب مع روسيا يمكن أن يمثل ورقة مهمة في يد القيادة السودانية خاصة في ظل المواقف الروسية الداعمة للسودان في المحافل الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن.
البرهان خلال اللقاء عبر عن تقديره لهذه المواقف التى أسهمت في التصدي لمحاولات التدخل في الشؤون الداخلية للسودان والنيل من سيادته.
وفي المقابل فإن الدب الروسى بوتين ابدى استعداد بلاده لتطوير التعاون مع السودان في قطاعات الطاقة والزراعة والمعادن والتكنولوجيا واللوجستيات وتحدث عن خارطة طريق لتطوير العلاقات وإزالة العقبات التي تعترض التعاون بين البلدين كما أكد دعم موسكو للاستقرار فى السودان والمنطقة.
*4*
هذه الرسائل إذا ما ترجمت إلى اتفاقيات وبرامج تنفيذية يمكن أن تفتح أمام السودان مسارات جديدة في الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار وتمنحه مساحة أوسع للمناورة السياسية في مواجهة الضغوط الخارجية.
ومعلوم أن روسيا تتحرك وفق مصالحها وأن أي شراكة استراتيجية حقيقية يجب أن تقوم على معادلة المصالح المتوازنة لا على تقديم التنازلات المجانية.
فالمعادن السودانية وعلى رأسها الذهب والنحاس والبترول ثروات وطنية يجب أن تخضع لقوانين الاستثمار والشفافية وحماية حقوق الأجيال القادمة.
كما أن الحديث عن استثمارات كبرى في البحر الأحمر والسكك الحديدية والطاقة يحتاج إلى ضمانات واضحة ودراسات اقتصادية واتفاقيات تحفظ السيادة الوطنية وتضمن أن تعود عوائد هذه المشروعات على المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب وأثقلت كاهله الأزمات المعيشية.
والأهم من ذلك كله أن السودان يحتاج إلى امتلاك قرار وطني مستقل يستطيع من خلاله التعامل مع الشرق والغرب والعرب والأفارقة وفق مصالحه العليا.
فالعلاقات الدولية الناجحة لا تقوم على الارتهان وإنما على القدرة على بناء الشراكات وتوظيف التنافس الدولي لمصلحة الوطن.
أخيرا إن لقاء البرهان وبوتين هو بداية التحول في السياسة الخارجية السودانية لان السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي والحرب أصبحت معركة مصالح ونفوذ وموارد وممرات استراتيجية تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية وإن التحرك نحو موسكو هو محاولة لإعادة ترتيب الأوراق وفتح نوافذ جديدة أمام الدولة السودانية.
ولابد ان تتغيير لغة الخرطوم في مخاطبة العالم وتبدأ مفاتيح اللعب تتحرك في اتجاهات جديدة



