مقالات وتقارير

من “أخي اكتب معي” إلى إعمار الجامعة.. حكاية مجتمع لا يستسلم

من “أخي اكتب معي” إلى إعمار الجامعة.. حكاية مجتمع لا يستسلم

نهايات || فتحي الكرسني

في شمال كردفان انتقل التعليم من الفصول الدراسية ونتائج الامتحانات إلى عنوان لمعركة وعي وصمود وإعادة بناء مجتمع يواجه آثار الحرب بالإصرار على الحياة.

ويقيني أن المشهد الذي رسمته مبادرات مدارس اقرأ الخاصة ونفرة إعمار جامعة كردفان يكشف عن فكرة مركزية واحدة تتقدم بوضوح: أن مجتمع شمال كردفان اختار أن يجعل من التعليم بوابته الكبرى لدحر المليشيا ومقاومة الانهيار وصناعة المستقبل.

ففي الوقت الذي تتعرض فيه المؤسسات التعليمية في كل السودان وخاصة شمال كردفان لضغط الحرب والاستهداف، تتشكل داخل الولاية حالة استثنائية من الاصطفاف المجتمعي حول التعليم باعتباره القضية الجامعة التي تلتقي عندها الدولة والمجتمع والمؤسسات النظامية والقطاع الخاص والمبادرات الشعبية.

مدارس اقرأ الخاصة قدمت نموذجاً عملياً لهذا التحول؛ إذ تجاوز دورها حدود التفوق الأكاديمي إلى صناعة قيم العطاء والانتماء والمسؤولية المجتمعية، فالمبادرات التي قادها التلاميذ والتلميذات أنفسهم مثل “أخي اكتب معي” مثلت نشاط مدرسي يعبر عن وعي مبكر بأن التعليم رسالة تضامن مجتمعي قبل أن يكون تحصيلاً دراسياً، وهنا تظهر إحدى السمات اللافتة في شمال كردفان: تحويل الأجيال الصغيرة إلى شركاء في معالجة قضايا المجتمع.

وفي المقابل جاءت نفرة إعمار جامعة كردفان لتؤكد أن ذات الروح تمتد من المدارس إلى مؤسسات التعليم العالي، حيث تحولت “عروس الجامعات” إلى رمز للصمود الجماعي بعد استهدافها بالحرب وهذا الاصطفاف الكبير حول إعادة إعمار الجامعة، وحجم التبرعات والمساهمات، والدعم الذي تدفق من المؤسسات الرسمية والأجهزة النظامية والمجتمع، كشف أن الجامعة التي ساهم الجميع في تأسيسها وتشييدها أصبحت رمزاً لهوية كردفان الكبرى واستقرارها ومستقبلها.

المشهدان معاً يقدمان صورة متكاملة لشمال كردفان وهي تعيد تعريف دور التعليم في زمن الأزمات؛ فالتلميذ الذي يجمع الكراسات لدعم المدارس الحكومية هو ذات المجتمع الذي يحفر الآبار ويعيد تأهيل القاعات الجامعية ويؤسس لمنظومات الطاقة الشمسية دعماً لاستمرار العملية التعليمية.

وفي قلب هذه الصورة تبرز فكرة “النفير” بوصفها واحدة من أهم القيم المتجذرة في مجتمع كردفان، فجامعة كردفان نفسها قامت في بداياتها على الجهد الشعبي، وها هي اليوم تُعاد إليها الحياة بذات الروح الجماعية، بينما تتحول المدارس الخاصة إلى منصات للمبادرات الإنسانية والمجتمعية، في تأكيد على أن المجتمع الكردفاني ما زال يحتفظ بقدرته العالية على التكاتف وقت الشدائد.

كما أن الحضور اللافت للقوات النظامية والأجهزة الأمنية في دعم التعليم، سواء عبر التكريم أو الإعمار أو الإسناد الخدمي، يعكس طبيعة المرحلة التي تعيشها الولاية، حيث تتداخل معركة الأمن مع معركة الحفاظ على مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم.

والأهم في كل هذه المشاهد أن شمال كردفان لا تقدم خطاب شكوى بقدر ما تقدم نموذجاً عملياً للمقاومة المجتمعية الناعمة؛ مقاومة تقوم على بناء الإنسان، وترميم المؤسسات، وحماية العملية التعليمية باعتبارها خط الدفاع الأول عن المستقبل.

ومن هنا تكتسب الدعوة التي أطلقها مدير مدارس اقرأ الأستاذ محمد الخير الطيب أهمية خاصة، حين دعا المؤسسات العامة والخاصة والمقتدرين للمساهمة في توفير الزي المدرسي والأدوات التعليمية لتلاميذ المدارس الحكومية، لأن هذه الدعوة تؤسس لفكرة أن مسؤولية التعليم أصبحت واجباً مجتمعياً عاماً لا يقتصر على الدولة أو المؤسسات التعليمية وحدها.

خلاصة المشهد أن شمال كردفان ترسل رسالة واضحة مفادها أن الحرب قد تستهدف المباني والخدمات، لكنها لا تستطيع كسر إرادة مجتمع قرر أن يجعل من التعليم مشروعاً للصمود، ومن النفير وسيلته لإعادة البناء، ومن الإنسان محوراً لكل معركة نحو المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى